ابن الجوزي
114
صفة الصفوة
وكان يصل قوما ويعطيهم ويكسوهم فيبعث إليهم ويقول للرسول : انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم ؟ ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم ، ويخفي نفسه فربما بليت ثيابهم ونفذ ما عندهم ولا يدرون من الذي أعطاهم ؟ ولا أعلم منذ صحبته وصل أحدا بأقلّ من مائة درهم إلا أن لا يمكنه ذلك ، وكنت أخبز له فما نخلت له دقيقا إلا أن أعصيه . وكان يقول لي : اشتر لي شعيرا أسودا قد تركه الناس فإنه يصير إلى الكنيف ، ولا تشتري لي إلا ما يكفيني يوما بيوم . وكان يقول : واللّه الذي لا إله إلا هو ما رأيت نفسا تصلّي إلى القبلة شرا عندي من نفسي . ودخلت عليه قبل موته بأربعة أيام بنيسابور ، فقال : يا أبا عبد اللّه تعال أبشّرك بما صنع اللّه بأخيك من الخير ، قد نزل بي الموت وقد منّ اللّه عليّ أنه ليس عندي درهم يحاسبني اللّه عليه ، وقد علم ضعفي فإني لا أطيق الحساب فلم يدع عندي شيئا يحاسبني عليه . ثم قال : أغلق الباب ولا تأذن لأحد عليّ حتى أموت ، واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثا غير كسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ فيه ، وكتبي . وكانت معه صرّة فيها نحو ثلاثين درهما فقال : هذا لابني أهداه إليه قريب له ولا أعلم شيئا أحلّ لي منه لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أنت ومالك لأبيك » « 1 » فكفنوني منها فإن أصبتم لي بعشرة دراهم ما يستر عورتي فلا تشتروا بخمسة عشر ، وابسطوا على جنازتي لبدي وغطّوا عليّ بكسائي ، وتصدقوا بإنائي ، أعطوه مسكينا يتوضأ منه . ثم مات اليوم الرابع . سمع أبو الحسن بن أسلم من أصحاب الأعمش وأصحاب الثوري والأوزاعي في آخرين - وتوفي فصلّى عليه ألف ألف تقريبا « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة والطبراني والبزار وأحمد والبيهقي . ( 2 ) توفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين وكان رحمه اللّه يعد من الأبدال وكان يقال له ربانيّ هذه الأمة ، وقد قال ابن ناصر الدين أنه صلّى عليه لما مات ألف ألف إنسان . ( انظر شذرات الذهب ص 101 ج 2 ) .